السبت، 17 أكتوبر 2020

لماذا يتذكر الدماغ أنّك نسيت شيئاً ولكنه لا يتذكر الشيء الذي نسيته؟


لماذا يتذكر الدماغ أنّك نسيت شيئاً ولكنه لا يتذكر الشيء الذي نسيته؟

حتى نفهم لماذا يحصل هذا، علينا أن نعيَ انطلاقًا آلية عمل الذاكرة في دماغنا.

إن عملية تسجيل المعلومات في دماغنا تتم عبر إشارات كهربية وكيميائية. ماذا يعني هذا؟ وكيف يتم؟

كما تتشكل يدنا من عظام، بحيث يعطي تموضع العظام سوية الشكل الوظيفي المطلوب لحركة معينة. كذلك يمكننا تخيل العلاقة بين الخلايا العصبية في الدماغ (والتي تدعى العصبونات) حيث تُحفظ البيانات على شكل علاقات كهربية وأخرى كيميائية تحكمها النواقل العصبية وقنوات الشوارد (الأيونات).

يدعى مكان ارتباط العصبون بالآخر بالمشبك العصبي Synapse. يتم انتقال المعلومات بين الخلايا عبر النواقل العصبية، التي تقوم إحدى العصبونات بإفرازها في الشق العصبي Synaptic cleft لتستقبله المستقبلات Receptors في العصبونات الهدف.

يتم السحر الحقيقي للذاكرة على مستوى هذه المشابك العصبية، ويجدر بك أن تتخيل أن هذا يحدث على مستوى شبكة من ملايين العصبونات -لا واحد أو اثنين.

نأتي الآن إلى عملية ترسيخ الذاكرة، ولنضرب مثالًا على ذلك؛ عندما نقرأ معلومة مثلاً، يتم تفعيل تشكيلة معينة من العصبونات الدماغية، ومن أجل ترسيخ هذه المعلومة نعمد إلى تكرارها، ما يحصل بالتكرار هو أننا نعزز من قوة المشبك العصبي. إن عملية تقوية المشبك العصبي تكون كما يلي:

  • تقوية كهربية: تتم عن طريق زيادة كثافة غلالة النخاعين Myelin المحيطة بمحور العصبون مما يسمح بمرور السيالة العصبية بسرعة أكبر، وبالتالي التذكر بسرعة أكبر.
  • تقوية كيميائية: وتكون إما بخلق مستقبلات جديدة أو بزيادة عدد المستقبلات الفعالة -الموجودة مسبقًا بشكل غير فاعل-، وتتم نفس العملية على مستوى بوابات الشوارد التي تساهم في الحفاظ على درجة معينة من الاستقطاب الخلوي، الذي يساهم بتعزيز الرابطة العصبونية.
  • يتم من ناحية أخرى تدعيم الذاكرة لفترة أطول بزيادة حجم الشبكة العصبونية، وذلك بخلق روابط عصبونية جديدة داخل الشبكة المختصة بالمعلومة بحيث تتعدد في الدماغ الطرق الموصلة للمعلومة وبالتالي يتعزز حفظها ويبيت الوصول إليها أسرع وأسهل. إن عملية الترابط الشبكي هذه تدعى بالتواصل العصبوني Neural networking.

لو اسمعت إلى أغنية للمرة الأولى، من الصعب أن تحفظ كلماتها من المرة الأولى، لكن مع التكرار يصبح ذلك أسهل، ثم إذا قرأت الكلمات مكتوبة لعلقت أكثر، ثم لو جربت أن تغنيها بصوتك، ربما مع موسيقتها الخلفية لترسخت في دماغك أكثر وأكثر. نفس الشيء الذي يحدث لدى الناطقين بعدة لغات إذ تتسع خيارات الوصول إلى المعنى المطلوب ويصبح ذلك أسهل. لذا نقول أن العنصرين الأهم في تعزيز الذاكرة هما:

  1. التكرار الذي يعزز الذاكرة كهربيًا وكيميائيًا من خلال تحفيز بناء غلالة النخاعين حول العصبونات، وزيادة عدد المستقبلات على سطحها.
  2. توسيع شبكة العصبونات، من خلال حفظ المعلومة بطرق مختلفة مما يزيد من الطرق الدماغية المؤدية إليها.

الآن يمكننا الجواب عن السؤال أعلاه:

ما الذي يحدث في دماغي حين أشرع بالتذكر لكن الذاكرة تخونني؟ أنا أعرف.. بل أنا متأكد أن شيئًا ما ناقص.. نعم لقد نسيت.. لكن ماذا نسيت؟

تخيل معي أنك كنت عائدًا للمنزل وكان الأرز قد انتهى البارحة وأنت بحاجة لشرائه في طريق العودة بعد انتهاء عملك. إن معلومة "شراء الأرز" تم تسجيلها في الدماغ داخل شبكة من العصبونات، والتي تبدو أشبه بمدينة مضاءة بالأنوار ليلاً.

ما فعلْته أنت حين قررت شراء الأرز (أو ربما طلبتْ منك زوجتك أو أمك شراءه) هو أنك أضأت مجموعة من العصبونات، سأسميها مجازًا "مصابيح شارع الأرز" لكن عملية التغذية الكهربية لهذا الشارع كانت ضعيفة فانطفأ عدد من المصابيح التي أضأتها. كما أنك لم تضع لنفسك علامات تعلّم بها هذا الشارع، والشوارع كثيرة بالطبع، فاختلطت الأمور على الخريطة العصبونية. حين قررت العودة للمنزل تنبهت إلى وجود مصابيح مبعثرة في زاوية من دماغك.. لا بد أنها مضاءة لسبب ما.. لا تبدو عشوائية بالكلية.. هل ستتمكن من ملء الفجوات وقراءة المعلومة المشفرة هنا؟

الجواب على هذا السؤال يحدد ما إذا كنت ستنام بمعدة ممتلئة أو فارغة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعرف على أعراض سرطان القولون وكيفية الوقاية منه

  تعرف على أعراض سرطان القولون وكيفية الوقاية منه اولاً/ الأعراض الخفيفة له: ثانياً /الأعراض التي لايمكن تجنبها ثالثاً /مراحل سرطان القولون ...