هل دراسة الطب بشكل عام صعبة؟
اذا سالت بشرى هل دراسة الطب صعبة ، فساجيبك فورا : نعم ،جدا جدا 😭
اذا سالت الدحيح ، الأول على الدفعة ، الجبل الذي لا يهزه الريح سيجيبك : لا مطلقا 🤓
كلانا يقول الصدق و لا يوجد كذب في الموضوع
فالمصمم على دراسة الطب لن يوقفه جوابي و لو حاولت شرح معاناتي و كتبتها مكان معلقات البيت العتيق
و الشخص الذي لم يقتنع بهذا التخصص و لم يجد فيه ضالته لن يغريه محفل هيئة نوبل السنوي لتكريم آخر اكتشافات الطب
بدأت مسيرتي الدراسية بمنحنى تصاعدي ممتاز و حفظت خلال ذلك نصائح اساتذتي الذين اخبروني ان الصعود الى القمة سهل و البقاء فيها صعب
كان التحدي الحقيقي لي يوم انتقلت الى الطور الجامعي حيث اخترت الكلية التي يحلم كل اب و ام ان يروا على الأقل واحدا من اولادهم يرتادونها
الكلية التي تدغدغ احلام كل الأشخاص ممن لم يتسنى لهم الاحتراق بألسنة لهبها … نعم عن الجحيم اتحدث
(لن اكتب هنا قصتي المأساوية لاني احسب انك من خلال هذه الاشارات البلاغية قد فهمت طبيعة التجربة التي مررت بها)
بيت القصيد ان الحصول على تزكيات من اساتذتك بالاعدادية و الثانوية ليس كافيا لتتالق في كلية الطب
فالمعايير اختلفت و لن يشفع لك سواد عينيك لتنجح في كل المقاييس التي يقرر عليك دراستها طوال السنوات السبع
المطلوب عليك في كلية الطب ببساطة هو أن تتحول الى إسفنجة مرنة قابلة للتمدد لامتصاص الكم الهائل من المعلومات بعد ان كنت آدميا يكسوه الشحم و اللحم
( أنه بوب الاسفنجه[1] ؛ لا بد انك عرفته )
لا يهم في كلية الطب الجزء الخاص بالمشاعر و الاحاسيس
لا يهم الجزء الإبداعي الذي جعلك تكتب الشعر و الروايات و تمارس الرسم و الغناء و العزف على البيانو
لا يهم الحياة الاجتماعية و العلاقات التي سهرت على تأسيسها
لا يهم أبدا حالتك الدينية او الروحية و ما تقتضيه من ممارسات
ما يهم فعليا هو فصك الجبهي و الفص الصدغي و الفص الجداري من الدماغ[2] و بعض الانوية التي تساهم كلها في نظام حفظ و معالجة المعلومات التي يتعرض لها المتعلم او تشكيل ما يعرف بالذاكرة (قصيرة المدى و طويلة المدى )
و لهذا مجال الطب اكثر مجال سعيد بادماج الذكاء الاصطناعي[3] ، الكل يتطلعون الى اليوم الذي يخلق فيه الطبيب المثالي الاسفنجة المستعدة لامتصاص معلومات من زمن ابقراط الى آخر اكتشاف في الميدان و الذي يستطيع بفضل تعقيد ذكاءه المنطقي و قدرته التحليلية الناقدة الوصول الى التشخيص الصحيح بنسبة احتمال خطأ تقل عن 0.001 بالمئة
هل انا وحدي من ادرك هذه الحقيقة ؟
بالطبع لا ؛ كل طالب طب يدرك هذه الحقيقة و طريقة تجاوبهم مع هذه الحقيقة هي ما تحدد اذا كانوا يجدون دراسة الطب صعبة ام سهلة
مفتاح النجاح هو ان تقهر عقلك الباطن و تغلب عقلك الواعي و اكتساب تلك المهارة يتطلب منك تقديم تنازلات من شانها تغيير هويتك جذريا
أحيانا التعلق اللاشعوري بنشاطات ابداعية يسرق منك الوقت و التركيز الذي يفترض بك صبه على الكتب و الوثائق الطبية ( التي تنافس جبال كليمينجارو و افرست في ارتفاعها عندما تتراكم )
الانسان ليس مخلوقا عقلانيا بالدرجة الاولى و هذا هو جوهر ارث فرويد[4] الذي لا يمكننا انكاره، ففي كثير من الأحيان تسيرنا شهواتنا و بعض الحالات الشعورية اللاعقلانية للتصرف بناء عليها و يكون من الصعب العودة لحالة الاتزان العقلاني
هذه ليست مشكلتي وحدي فالكثير من الطلبة يعانون مثلي و هذا لا يعني اننا لا نفهم ما يتم تدريسنا او ان اقرارنا بالصعوبة يعني العجز او الفشل
المعلومات الطبية ليست على درجة من التعقيد بمستوى تعقيد ميكانيكا الكم او فيزياء الصواريخ بل هي علوم بسيطة أصعب ما فيها هو القدرة على تذكر اكبر قدر ممكن من المعلومات و الربط بينها لتكوين ما يشبه شبكة انترنت داخل عقلك ثم استحضارها بنفس سرعة الضغط على محرك البحث غوغل
هذا هو التحدي الذي يجعل دراسة الطب هاجس لدى البعض (مثلي 😖) ، ربما تتساءل رغم الصعوبة التي اقر باني اواجهها لماذا لم اغير المجال ؟
يقال اذا كنت انت الاكثر ذكاء في الغرفة التي تتواجد فيها فانت في المكان الخطأ 😂
لا يزال امامي الكثير لاتعلمه رغم مرارة التجربة التي اخوضها الا اني اتحمل كامل مسؤولية هذا القرار و اتمنى ان أكون على قدر المسؤولية التي يوجبها هذا المجال تحديدا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق